وكانت النتيجة والعاقبة لمن؟ للرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يُسأل عن عمل غيره،
ولا يُسأل غيرُه عن عمله؛ لقوله: قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [سبأ: ٢٥].
ونظير ذلك
قوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [فاطر: ١٨] كل إنسان وعمله.
ويُستثنى من ذلك ما إذا كان عمل
الغير ناشئًا عن عملك بأن تكون أنت الدال عليه، أو المعين عليه فإن لك من وِزْره
بقدر عملك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي
الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً؛ فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . فهل هذا يخالف
الآية الكريمة اللي معنا؟ لا؛ لأن حقيقة الأمر أن وزر الغير مبني على وزرك فيكون من
فعلِك، فيدخل في إجرامك.
ومن فوائد الآية الكريمة:
إثبات السؤال عن العمل؛ لأن قوله: لَا تُسْأَلُونَيعني
من الذي يُسأل؟ الإنسان، كُلٌّ مسؤول عن عمله، ولو كان السؤال منتفيًا مطلقًا ما صح
أن يقال: لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَاوكل إنسان
مسؤول عن عمله ولا بد، قال الله تبارك وتعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥]
فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٦، ٧] وما دام الإنسان يؤمن بذلك بأنه سيُسأل عن عمله
فسوف يحرص غاية الحرص على أن يكون عمله موافقًا لشرع الله.
ثم قال تعالى: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ: ٢٦].
في هذه الآية: إثبات البعث والجمع؛ لقوله: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَاوهذا الجمع ثابت بقوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن: ٩]. ويدخل فيه أيضًا الجمع
في الدنيا في القتال؛ لقوله تعالى: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال: ٤١].
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية؛
لقوله: يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَاومعلوم أن اجتماعنا
من فعلنا فأضافه الله إلى نفسه؛ لأنه هو المدبِّر له سبحانه وتعالى المقدِّر له، أو
لا؟
طالب: (...).
الشيخ:
على الرأي الثاني أنه في الدنيا.
ومن فوائد الآية
الكريمة: أن حكم الله عز وجل كله حق وعدل؛ لقوله: ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّأي: بالعدل الذي ليس فيه ظلم ولا جور.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ما قرره أهل السنة
والجماعة من أن اسم الله إذا كان متعديًا لم يتم الإيمان به إلا بالإيمان بكونه
اسمًا، وبما تضمنه من صفة، وبما تضمنه من أثر وحكم؛ لقوله: يَفْتَحُ بَيْنَنَا، ثم قال بعد ذلك: وَهُوَ الْفَتَّاحُفدل هذا على أن أسماء الله عز وجل
المتعدية تضمن الأحكام والآثار المترتبة على ذلك.
ومن
فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ: ٢٦]. وكما سبق في الشرح أن
الفتاح تشمل معاني كثيرة؛ الفتح بالنصر، وبالعلم، وبالفهم، وبالقصد الحسن، وبغير
ذلك؛ يعني أنها اسم واسع.
ومن فوائدها: إثبات العلم
لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: الْعَلِيمُ، وأنه صفة من
صفاته الثابتة اللازمة؛ لأنه موصوف به أزلًا وأبدًا في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد الْمُناظِر
بالجزاء المجزوم به؛ لقوله: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا [سبأ: ٢٦]؛ لأن هذا يتضمن التهديد؛ لأننا نعلم أن
الله إذا فتح بينهم فسيكون الحق مع مَنْ؟ مع المسلمين.
بهذا عرفنا الترديد في
قوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى [سبأ: ٢٤] أن الذين على الهدى مَنْ؟ هم المسلمون، وأن أولئك على الضلال؛ لأنه لو قال
قائل: الآية فيها ترديد وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًىطيب ما عرفنا ما الذي على الهدى، نقول: الذين على الهدى هم الذين
يفتح الله عليهم، وينصرهم على أعدائهم بالحق.
ثم قال الله تعالى:
قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [سبأ: ٢٧] في هذا ما سبق من أنه من
آداب المناظرة سلوك التحدي فيما يُعلم امتناعه من الخصم؛ لأنك إذا تحديته بأمر لا
يمكن وظهر عجزه تبين بطلان دعواه، أو لا؟ بخلاف ما إذا تحديته بأمر يمكنه أن يفعله
فإن هذا ضرر عليك، لا تتحدى الخصم إلا بأمر يعجزه ولا يتمكن منه، هنا يقول:
أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَيعني
أعلموني ماذا خلقوا؟ ماذا نفعوا؟ لم يخلقوا شيئًا، ولم ينفعوا، ولم يدفعوا ضررًا
كما قال تعالى:
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل: ٢٠، ٢١] وقال إبراهيم لأبيه:
يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢].
وقوله:
أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ.
يستفاد منها: أن الشِّرْك يكون في العبادة كما يكون في
الخَلْق والتدبير؛ بمعنى أن الشرك يكون في الألوهية كما يكون في الربوبية، وجه ذلك
أن هؤلاء المشركين لم يكونوا يُشرِكون في الربوبية، ولكنهم يشركون في الألوهية
والعبادة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن
أن يُرِي أحد من الناس أن لهذه الأصنام شيئًا من الخلق أو الرزق أو التدبير، يؤخذ
من قوله:
كَلَّا [سبأ: ٢٧] يعني لا يمكن أن تروني شيئًا
من هذه الأصنام.
ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات
اسمين من أسماء الله؛ وهما العزيز والحكمة، وما تضمناه من صفة وهي العزة والحِكمة،
الاسمان العزيز، الحكيم، وما تضمناه من صفة وهي العزة والحِكْمة والْحُكْم، العزة
يعني الحكيم، قلنا: بم؟ ذو الحُكم والحِكمة.
ومن فوائد
الآية الكريمة: أن أفعال الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تقع سفهًا؛ لقوله:
الْحَكِيمُ [سبأ: ٢٧]، والحكيم هو الذي لا يقع في فعله
سفه، وهذا شيء معلوم بالضرورة، قال الله تبارك وتعالى:
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [الدخان: ٣٨]، وقال:
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص: ٢٧]، وقال
تعالى:
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥].
ومن فوائدها أيضًا: أن الله عز وجل لا يُغلب؛ لقوله:
الْعَزِيزُ [سبأ: ٢٧]، وإذا آمنت بذلك، واستنصرت به تبارك
وتعالى علمت أنك لا تُغْلَب.
قال الله عز وجل بعد هذا:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا [سبأ: ٢٨]..
ذكرنا أن المؤلف رحمه الله فسَّر في تفسيره العزيز
بـ
(الغالب)، وفي قوله:
الْحَكِيمُ [سبأ: ٢٧]
(في تدبيره لخلقه)، وأخطأ أيضًا في قوله:
(فلا شريك له في ملكه)؛
لأنه ليس المقام مقام نفي الشريك في الملك، إنما المقام مقام نفي الشريك في
العبادة؛ إذ إن هؤلاء المشركين يعترفون بأن الله لا شريك له في ملكه.
قال الله
تعالى:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةًحال من الناس قُدِّم للاهتمام لِلنَّاسِ [سبأ: ٢٨]). قوله:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةًهذا الاستثناء يسمونه
استثناء مفرغًا من أعم الأحوال؛ يعني ما أرسلناك لأي حال من الأحوال إلا بهذه الحال
يعني إلا للناس كافة
كَافَّةًبمعنى جميعًا.
وقوله:
أَرْسَلْنَاكَالإرسال معناه الأمر بتبليغ الشيء فأنت
إذا أرسلت شخصًا من الناس إلى شخص آخر معناه أنك أمرتَه أن يبلغ شيئًا ما إلى
الموصل إليه؛ ولهذا قال العلماء في تفسير الرسول: هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمِر
بتبليغه.
وقوله:
إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ: ٢٨] الناس معناهم هم البشر، وسموا ناسًا من قولهم: أنِس إذا تحرك وعمل، وعلى هذا
فيكون الناس اسمًا مشتقًا، وليس اسمًا جامدًا، قالوا: وأصله الأُناس، أصله الأناس،
لكنها حُذِفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال، قالوا: ومثل ذلك قولهم: شر وخير، بأن
تقول: هذا خير من هذا؛ بمعنى أَخْيَر من هذا، فحُذِفت الهمزة للتخفيف لكثرة
الاستعمال، قالوا: ومِنْ ذلك الله، فأصله الإله، حُذِفت الهمزة للتخفيف؛ لكثرة
الاستعمال، على أن هذه المسألة الثانية الأخيرة فيها شيء من النظر؛ لأن الإله تأتي
إلى جانب الله فتقول: هو الله الإله العظيم، إلى آخره.
يقول:
(إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِأي: كفار مكة)
وهذا قصور من المؤلف رحمه الله؛ لأننا إذا قلنا: إنك أُرسلت إلى كفار مكة فغيرهم لم
يرسل إليهم، وهذا قصور عظيم جدًّا، كيف تأتي كلمة الناس في مقام الرسالة ونقول:
المراد بها كفار مكة، الصواب أن المراد بها كل البشر، كفار مكة، وكفار واشنطن،
وكفار موسكو، وكفار الصين، وكل الكفار ولَّا لا؟ إلى يوم القيامة ولَّا في حياته
فقط؟ إلى يوم القيامة للناس عمومًا.
بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ: ٢٨].
(بَشِيرًامُبشِّرًا للمؤمنين بالجنة ووَنَذِيرًامنذرًا للكافرين بالعذاب) بَشِيرًاحال أيضًا من الكاف في قوله:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَبَشِيرًافعيل بمعنى (مُفْعِل)، أو بشير بمعنى لبشارة، وفعيل تأتي بمعنى (مُفْعِل) كما
أسلفنا ذلك كثيرًا.
وقوله:
(بشيرًا للمؤمنين بالجنة ونذيرًا للكافرين
بالنار)، ينبغي أن يقال:
(بشيرًا للمؤمنين بالجنة) كما قال المؤلف:
ونذيرًا للعاصين بالعقوبة؛ ليشمل الإنذار عن الكفر والإنذار عن المعاصي، يعني حتى
المعاصي رُتِّبت عليها عقوبات من أجل أن تردع الإنسان عن فعلها، والله أعلم.
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ: ٢٨] (...).
صلى الله عليه وسلم؛ لقوله:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ [سبأ: ٢٨]. وفيها دليل على أن محمدًا صلى
الله عليه وسلم عبد مأمور لا رب آمِر؛ لقوله:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَكذا، ما الذي قلت؟ (...).
وفيها
أيضًا: عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
على رأي المؤلف:
إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم:
«وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» . أو نقول: لقوله:
لِلنَّاسِفإن الناس هذه من صيغ العموم؛ لأن فيها رأيًا
آخر يقول:
كَافَّةًبمعنى كاف، يعني إلا تكف الناس عن
الشرك والعصيان، أو
إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ: ٢٨]؛ أي: جامعًا لهم على التوحيد والإخلاص، وعلى هذا فتكون حالًا من الكاف في قوله:
أَرْسَلْنَاكَوالتاء فيها على هذا المعنى، التاء فيها
للمبالغة كقوله تعالى:
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:١٢٠] أي: إمامًا، وكما يقال: هذا علَّامة؛ أي (علَّام)، لكن
تكون التاء للمبالغة.
فصار عندنا في
كَافَّةًقولان:
وأن ما ذكرته في الشرح للقصور لا للتقصير
كَافَّةًأيش؟
فيها وجهان: أن تكون حالًا من الناس مقدمة عليها، وأن تكون حالًا من الكاف في
أَرْسَلْنَاكَوعلى هذا المعنى على هذا الوجه تكون
كَافَّةًبمعنى: كافّ؛ أي جامع أو كاف؛ أي: مانع تكف الناس.
وهذا الرأي واضح معناه، والعموم منين تستفيد على هذا الرأي؟ من قوله: (الناس)؛
لأنها لفظ عام.
من فوائد الآية أيضًا: أن رسالة
النبي صلى الله عليه وسلم تضمن شيئين هما البشارة والإنذار، البشارة للطائع بالثواب
والإنذار للعاصي بالعقوبة.
ومن فوائدها: الإشارة
إلى الحكمة من إرسال الرسل، وهي التبشير والتنذير، كما قال الله تعالى:
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣] إلى قوله:
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥].
ومن فوائدها: أن أكثر الناس لا يعلمون الحكمة من إرسال
الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يعلمون أنه رسول، كذا؟ أكثر الناس، أما الأول
فواضح أن أكثر الناس لا يعلمون الحكمة من إرسال الرسل؛ وأما الثاني ففيه نظر؛ لأن
الرسالة بلغت أكثر الناس، وستبلغ الناس جميعًا حتى تقوم عليهم الحجة.
من فوائد الآية الكريمة: أن الأكثرية لا يلزم أن يكون الصواب
معها؛ لأن أكثر الناس لا يعلمون فهم في جهل؛ إذ إن المتمسك بالأديان قليل، والمتمسك
بالأديان هو صاحب العلم، وهو صاحب اليقين.
ومن فوائد الآية
الكريمة: إثبات الأسباب مِنْ أين تؤخذ؟ من قوله:
إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِعلى المعنى الأخير الثاني اللي هو
كَافَّةًبمعنى مانع، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام سبب،
وليس بموجب، فهو سبب للهداية ولكن إنك لا تهدي من أحببت، وهل يُستفاد منها إثبات
أفعال الله الاختيارية؟
طالب: (...).
الشيخ: منين؟ من قوله:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ، فإن هذا فعل من الأفعال المتعلقة بمشيئته سبحانه
وتعالى.
ومن فوائد الآية أيضًا: إقامة الحجة على
الخلق؛ لقوله:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ: ٢٨] فلم يبقَ لأحد حُجَّة على الله بعد الرسل،
وهل يؤخذ منها عُذْر مَنْ لم تبلُغه الرسالة؟
طالب:
(...).
الشيخ: من أين تؤخذ؟ من قوله:
بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ: ٢٨] فإن مَنْ لم تبلغه الرسالة لم
يحصل له بشارة ولا نذارة.
فما حكم مَنْ لم تبلغه الرسالة؟ نقول: لا يخلو من
أمرين: إما أن يكون مُقصِّرًا في طلب الحق، فهذا لا عُذْر له؛ لأنه مُقصِّر، وإما
ألا يكون مُقصِّرًا بحيث لم يبلغه أي شيء عن الرسالات، ولم يطرأ في قلبه أي شيء من
ذِكْر الرسالات فهذا نقول: إنه يُحكَم له في الدنيا بما هو عليه من دِين، وأما في
الآخرة فأمره إلى الله، ما نشهد عليه بشيء.
تفسير الآيات (29-36)
00:23:56
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ
إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [سبأ: ٢٩]
يَقُولُونَيعني المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم، الذي تُوعِّدوا بالعذاب والنكال فيقولون
متحدين ومستبعدين ومنكرين:
مَتَى هَذَا الْوَعْدُ.
مَتَىاسم استفهام، والمراد به الإنكار والتحدي.
الْوَعْدُأي: بالعذاب الذي وعدتمونا به، ويحتمل أن
يكون
مَتَى هَذَا الْوَعْدُبالنصر لكم؛ لأن المعروف أن
الوعد في الخير، وفي الشر وعيد، ولكن قد يُقال: إن الوعيد لهؤلاء الكفار هو بالنسبة
للمؤمنين وعد.
(مَتَى هَذَا الْوَعْدُبالعذاب إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَفيه) يعني إن كنتم صادقين بما تقولون من أن العذاب سيحل بنا
وسنعاقب، والصدق: هو الإخبار بما يوافق الواقع، والكذب: الإخبار بما يخالف الواقع،
فإذا قلت: قَدِمَ زيد البلد، ولم يكن قدم؛ فهو كذب؛ لأنه خلاف الواقع، وإذا قلت:
قدم زيد البلد، وقد قدم؛ فهو صدق لموافقة الواقع.
فيقولون إن كنتم صادقين فمتى
يكون هذا؟ وهذا كقوله تعالى في الساعة:
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ [الشورى: ١٧، ١٨]، فالكفار يستعجلون العذاب تكذيبًا للرسل عليهم الصلاة
والسلام.
قال الله تعالى:
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء: ٢٠٤، ٢٠٧] أي: يعني أي شيء يغني عنهم، فمهما طال بهم الأمد فإن المسألة محدودة
معدودة
إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء: ٢٠٥، ٢٠٧].
فهم يتحدون، ومع ذلك أحيانًا يتحدون كذبًا فإنهم قالوا:
حين أُخبِروا بالبعث، قالوا متحدين للرسل عليهم الصلاة والسلام:
ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية: ٢٥]
وهل قيل لهم: إن آباءهم يأتون الآن حتى يوجهوا الصورة إلى هذا؟ لا، يعني قيل لهم:
إن آباءهم سيبعثون يوم القيامة لكنهم يُموِّهون على العامة بمثل هذه الدعاوى.
يقول الله عز وجل:
(قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ [سبأ: ٣٠] عليه وهو يوم القيامة). لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍقوله:
مِيعَادُيحتمل أن يكون ظرف مكان
أو زمان، ويحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا، والمعنى أن لكم وعدًا يكون في يوم لا
تستأخرون عنه ساعة، ولا تستقدمون عليه؛ وذلك لأن الله عز وجل بحكمته البالغة قدَّر
لكل شيء أجلًا معينًا، قال الله تعالى:
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد: ٨] كل شيء بمقدار عند الله ومُحدَّد بأجله، فالعذاب لا
يقدمه استعجالهم، ولا يؤخره، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر، وفي هذا جواب من التهديد
لهم ما هو ظاهر كما لو قلت للإنسان: إن لك عندي موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر؛ فالمعنى
احذر من هذا اليوم.
وقول المؤلف:
(هو يوم القيامة) هذا لا شك أنه محتمل
لكن فيه احتمال آخر أنه يوم القيامة ويوم موتهم أيضًا فإن يوم موتهم يشاهدون
العذاب، قال الله تعالى:
وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال: ٥٠، ٥١].
فهذا اليوم
يجدون فيه العذاب قبل يوم القيامة،
وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: ٩٣]، وفي سورة الدخان
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى [الدخان: ١٠ - ١٣] إلى
قوله:
إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [الدخان: ١٥، ١٦] وهذا متى حصل؟ حصل في بدر حين قتل شرفاؤهم
وساداتهم.
قال تعالى:
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ: ٣١] من أهل مكة)، أهل مكة (...) عليهم بالكفر قبل أن
يكونوا مؤمنين لكن لا ينبغي أن نخصص ما عممه الله عز وجل، فالصواب: وقال الذين
كفروا من أهل مكة وغيرهم، أيش قالوا؟
لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ: ٣١] أعوذ بالله، أتوا بـ
لَنْالدالة على تأكيد النفي، ولم يقولوا: لا نؤمن، بل
قالوا:
لَنْ نُؤْمِنَيؤكدون انتفاء إيمانهم بالقرآن في
المستقبل.
لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ(هذا)
الإشارة للقريب تحقيرًا له كما في قوله تعالى:
أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٣٦] أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان:٤١].
لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ: ٣١]
قلت: إن الإشارة هنا للقريب تحقيرًا له. وقوله:
الْقُرْآنِعلى وزن (فُعْلان)، فهل هو بمعنى المقروء؛ أو
بمعنى القارِئ، أو هو مصدر بمعنى الجمع؟ فيه خلاف لعلماء العربية، والصواب أنه
مُتضمن للمعاني كلها؛ فهو بمعنى قارئ أي جامع؛ لأنه مُهيمن على الكتب السابقة،
وجميع ما فيها من المصالح موجود فيها وهو مقروء؛ لأن الناس يقرؤونه ويتلونه وهو جمع
أيضًا؛ لأنه جامِع لكل شيء، والفُعلان بمعنى المصدر موجود في اللغة العربية، مثل:
الشُّكْران والكُفْران والنُّكْران، وما أشبه ذلك، والمراد بالقرآن هنا الكتاب الذي
أنزله الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو اسم خاص به
بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِوَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِيعني ولا نؤمن بالذي بين
يديه أي:
(تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالَّيْن على البعث بإنكارهم له)، يعني
ولا نؤمن أيضًا بالذي بين يديه، والمراد على رأي المؤلف: بما بين يديه، ما سبقه،
وليس ما يأتي بعده، ما سبقه من (...) منين؟ (...).
ما ذهب إليه المؤلف.
ويحتمل أن يراد بقوله:
وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ: ٣١] أي: ما يأتي مما أخبر به، فإن ما بين يدي الشيء
مستقبله، كما قال تعالى:
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [البقرة: ٢٥٥] والمعنيان صحيحان، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين
صحيحين لا يتنافيان وجب حملها على الجميع؛ لأن القرآن شامل واسِع
وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ: ٣١] أي: ولا بالذي
يأتي بعده مما أخبر به، أو:
وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل.
قال الله تعالى:
وَلَوْ تَرَىقال المؤلف:
(يا محمد إِذِ الظَّالِمُونَالكافرون مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ [سبأ: ٣١]).
وَلَوْ تَرَىهذه (لو) شرطية، فعل شرطها
تَرَىوهي جازمة ولَّا غير جازمة؟ غير جازمة، وجوابها محذوف؛
أي: لرأيت أمرًا فظيعًا، وجواب الشرط في مثل هذا التركيب أعظم من ذِكْره؛ لأن النفس
تذهب في تقديره كل مذهب من الفظاعة والبشاعة.
و(لو) تأتي في اللغة العربية على
عدة معانٍ: تأتي شرطية كما هنا، وتأتي مصدرية كما في قوله:
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩].
وقول
المؤلف:
(يا محمد)، قصر المؤلف الضمير على الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه
يحتمل أن يكون المراد به كل مخاطب؛ يعني ولو ترى أيها المخاطَب حال هؤلاء لرأيت
أمرًا فظيعًا.
وقوله:
إِذِ الظَّالِمُونَ [سبأ: ٣١]
إِذِبمعنى وقت أو حين، فهي ظرف زمان، و
الظَّالِمُونَمبتدأ و
مَوْقُوفُونَخبره.
والمراد بالظالمين هنا قال المؤلف:
(الكافرون)، وإنما خصَّها بالكافرين مع أن الظلم أعم لقرينة السياق؛ حيث قال
الله تعالى في آخرها:
وَجَعَلْنَا الأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ: ٣٣]، فصار المراد بالظالمين هنا الكافرين.
هل
كل كافر ظالم؟
طلبة: (...).
الشيخ: هل كل ظالم كافر؟ لا؛ ولهذا لما قال الله تعالى:
وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤] قال
العلماء: نحمد الله أن لم يقل: والظالمون هم الكافرون.
وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ [سبأ: ٣١] أي: محبوسون، فمعنى وَقَفَه أي: حبَسَه، ومنه سُمِّي
الوقْف للمال الحبيس الذي تُحبس عينُه، وتُسبَّل منفعته، فمعنى
مَوْقُوفُونَأي: محبوسون عند الله عز وجل. وقوله:
عِنْدَ رَبِّهِمْولم يقل: عند الله؛ لأن مِثْل هذا الفعل
العظيم الدال على العظمة يتناسب مع الربوبية؛ لكمال ربوبيته عز وجل، وكمال ملكه
وسلطانه، تجد هؤلاء الظلمة الذين عندهم من العتو والاستكبار والعناد في الدنيا
تجدهم في أذل شيء أمام ربوبية الله عز وجل.
عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ [سبأ: ٣١] يَرْجِعُبمعنى يرد، وعلى هذا فتكون متعدية؛ لأن رجع تأتي
لازمة، وتأتي متعدية، فقولك: رجعت من مكة إلى المدينة؛ هذه لازمة ولَّا متعدية؟
طلبة: لازمة.
الشيخ:
لازمة؟
طلبة: نعم.
الشيخ:
رجعت من مكة إلى المدينة؛ لازمة، أيش تقولون؟
طلبة:
نعم.
الشيخ: لازمة؛ لأنها لم تنصب المفعول. وقوله
تعالى:
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ [التوبة: ٨٣] هذه متعدية.
وهنا قال:
يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَمتعدية ولَّا
لازمة؟ متعدية؛ أي: يردهم.
وقوله:
يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَالْقَوْلَهنا مُبهم
ومُجْمَل، ثم فصَّله بقوله:
يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواإلى آخره [سبأ: ٣١].
وفائدة الإبهام المفصل فائدته
عظيمة؛ لأنه إذا أُجمل أولًا وأُبهم فإن النفس تتطلع إلى بيان ذلك الشيء وتفصيله
ولَّا لا؟ عندما أقرأ:
يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ، ماذا يكون ذهنك؟ يكون ذهنك متطلعًا إلى بيان هذا القول الذي
يتراجعونه، لكن لو قال:
وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْيَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواهكذا جاءت لم يكن لها من التمكن في الذهن مثل ما كان لها
حينما أبهم القول، ثم بُيِّن، أو أُجْمِل، ثم فُصِّل.
يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَماذا يقولون؟
(يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواالأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواالرؤساء
لَوْلَا أَنْتُمْصددتمونا عن الإيمان
لَكُنَّا مُؤْمِنِينَبالنبي).
لَوْلَاهذه شرطية أو لا؟ شرطية، ويقال فيها:
حرف امتناع لوجود؛ لأنه امتنع جوابها لوجود شرطها، وتأتي (لولا) شرطية كما هنا،
وتأتي للتحضيض كما في قوله:
لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور: ١٣]، وتأتي للنفي كما في قوله:
فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ [يونس: ٩٨] المعنى فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا
قوم يونس لما آمنوا.
هنا يقول:
لَوْلَا أَنْتُمْ.
ابن مالك رحمه الله يقول:
| وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ |
حَتْمٌ
..................... |
إذن هنا المبتدأ موجود، وهو
أَنْتُمْفأين الخبر؟ محذوف قدَّرَه المؤلف بقوله:
(صددتمونا) من أين عرف أنه بهذا اللفظ؟ من قولهم:
أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى [سبأ: ٣٢]، إذن ما
نُقدِّر هنا: لولا أنتم موجودون؛ لأن الصد أخص من مطلق الوجود، وإذا كان لنا طريق
إلى تقدير الأخص فهو أولى من تقدير الأعم؛ ولهذا قلنا: إن القارئ إذا قال: بسم الله
الرحمن الرحيم، يُقدِّر المتعلَّق بقوله: أقرأ، لا بقوله: أبتدئ؛ لأن أبتدئ عامة
وأقرأ خاصة، هنا يمكن أن نقول: لولا أنتم موجودون، لكن ما دُمنا نجد فعلًا أخص وهو
الصد المدلول عليه بقوله:
أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ [سبأ: ٣٢] فإنه يجب أن نقدر لولا أنتم صددتمونا.
لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ: ٣١] هذا جواب الشرط؛ ولهذا اقترن باللام
لَكُنَّا مُؤْمِنِينَلكن بمن؟ قال:
(بالنبي).
والأصح أنه أعم؛ أي لكنا مؤمنين بما تشمله رسالة النبي صلى الله عليه وسلم
من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبغير ذلك مما يجب
الإيمان به.
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [سبأ: ٣٢] ردوا عليهم القول
يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ [سبأ: ٣١] ردوا القول؟ وين الرد؟
(...).
يقول:
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواهذا رد لقولهم، شوف
أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ [سبأ: ٣٢] الاستفهام
هنا بمعنى النفي؛ يعني لن نصددكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل أنتم الذين اخترتم
الكُفر، وهنا صدق قول الله عز وجل:
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة: ١٦٦]، فهنا قال:
أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْيعني إنا متبرئون منكم، ولا أجبرناكم
على الكفر بل أنتم الذين اخترتم ذلك.
وقوله:
صَدَدْنَاكُمْأي: صرفناكم.
وقوله:
عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ [سبأ: ٣٢] هذا من باب
تحقيق مجيء الهدى ووضوحه، وهذا إقرار من هؤلاء الرؤساء المستكبرين، إقرار منهم على
أن الهدى قد جاء وبان ووضح
بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْقال
المؤلف في تفسيرها: (لا) إشارة إلى أن الاستفهام هنا للنفي، وكلما جاءكم (لا) بعد
الاستفهام فإن ترجمتها أن المؤلف يرى أن الاستفهام هنا للنفي.
(بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ [سبأ: ٣٢] في
أنفسكم)، شوف أعوذ بالله، في الدنيا تجده يأتي إليه المستكبِر هذا الضعيف يدعوه
بلطف تام، وفي الآخرة يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض.
انظر إلى ملك غسان لما بلغه أن النبي عليه الصلاة والسلام هجر كعب بن
مالك، ويش أرسل إليه؟ أرسل إليه خطابًا رقيقًا لطيفًا وقال له: إنه بلغنا أن صاحبك
قد هجرك فأتِ إلينا نواسِك، شوف التلطف (...) ولكن لم ينخدع كعب رضي الله عنه
لإيمانه، وخاف أن ينخدع في المستقبل، فماذا صنع؟ ذهب إلى التنور وأوقد هذه
الورقة .
وهكذا كل شيء تخشى على نفسك منه في المستقبل يجب عليك أن تُتلفه، لا تقل: إني
الآن ما يمكن أفعل هذا الشيء أبدًا، ولا يمكن أن أضل به، صحيح أنك في بادئ البدء قد
لا تنخدع لكن الشيطان يعمل عمله؛ ولهذا يجب عليك أن تتلف كل ما تخشى أن تكون عاقبته
عليك وخيمة.
الحاصل أن هؤلاء في الآخرة ما يتوددون، ولا يتلطفون، ولا يرحمون
هؤلاء الأتباع، قال:
بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ [سبأ: ٣٢]، والإجرام هو الذنب الذي لا يغتفر.
قال:
بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَوَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ [سبأ: ٣٣] شوف إضراب على
إضرابهم، (...) قال:
بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَإضراب
في أيش؟ عن قولهم:
لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ: ٣١]، ثم هؤلاء أضربوا عنهم؛ يعني قابلوهم بإضراب آخر.
قالوا:
(بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سبأ: ٣٣] أي مكر فيهما منكم بنا). مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِهنا المكر مضاف إلى الليل على
تقدير (في)؛ لأن الإضافة قد تكون على تقدير (من)، وعلى تقدير (اللام)، وعلى تقدير
(في)، فإن كان الأول من الثاني يعني بأن كان الثاني جنسًا للأول فهو على تقدير
(مِن)، وإذا كان الثاني ظرفًا للأول فهو على تقدير (في)، وما عدا ذلك فعلى تقدير
(اللام).
خاتم حديد، على تقدير (مِن)، كذا؟ ثوب خز، على تقدير (مِن)، (في) مكر
الليل؛ أي: مكر في الليل.
ما هو المكر؟ قالوا في تعريف المكر: إنه التوصل
بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالمقابِل، هذا المكر؛ يعني بالذي قابلك، أو إن شئت
فقل: بالخصم، كذا؟ عرِّف لي ما (...)؟
مَكْرُ اللَّيْلِأضيف المكر هنا إلى الليل؛ لأنه ظرف..